التخطي إلى المحتوى
مؤتمر مالمو: من الكونت برنادوت.. إلى «عائد إلى حيفا»

يعتبر الكونت السويدي فولك برنادوت، أوّل وسيط دولي في تاريخ منظمة الأمم المتحدة، عندما تم تكليفه للوساطة من قبلها لوقف القتال بين الصهاينة والفلسطينيين أثناء حرب فلسطين عام 1948، وتطبيق قرار التقسيم الصادر عنها عام 1947، وبالفعل تقدم برنادوت اقتراحات للحل تقضي ببقاء القدس في ظل التقسيم للعرب الفلسطينيين، ووضع حد للهجرة اليهودية، الأمر الذي جعل الصهيونية العالمية تضعه على رأس المطلوبين للاغتيال نظراً لموقفه هذا، فاتفقت منظمة آرغون برئاسة مناحيم بيغن ومنظمة شتيرن بزعامة اسحاق شامير على وضع خطة لاغتياله، وهكذا كان، عندما تم اغتياله في 17 أيلول 1948، في القطاع الغربي لمدينة القدس عندما تعرضت سيارته لإطلاق النار من قبل ثلاثة أشخاص ولقي حتفه على الفور.
نعود إلى هذا التاريخ، لأن دولة السويد من أكثر دول العالم الذي تبدي حماس اً ودعماً لتذكير العالم بذكرى المحرقة «الهولكوست» وكذلك من أجل الدعوة لمناهضة معاداة السامية، ومن الغريب لهذا السياق أن حافلات سويدية مطلية باللون الأبيض تحمل اسم الكونت برنادوت هي التي أقلّت الناجين من المحرقة إلى مركز المعارض والاحتفالات في مدينة مالمو، حيث عقد مؤتمر إحياء الهولوكست ومناهضة معاداة السامية بمناسبة مرور 75 عامًا على نهاية الحرب العالمية الثانية، وإطلاق منتدى ستوكهولم الدولي قبل 20 عامًا في محاولة للترويج لعدم مسؤولية الصهيونية العالمية عن اغتيال برنادوت.
وكان من المفترض أن يعقد هذا المؤتمر العام الماضي إلاّ أنه تأجّل بسبب « كورونا »، ولضمان مشاركة واسعة من قبل رؤساء الدول الذين وجهت إليهم الدعوة قبل أيّام ومن بينهم الرئيسان بوتين وبايدن ومع ذلك لم يحضر أي رئيس هذا المؤتمر، أمّا الشخصية الأبرز في المؤتمر حسب الجهة المنظمة فهو الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ، مع ذلك فهو لم يشارك إلاّ من خلال كلمة له على الفيديو، وأوفد بدلاً منه وزير الهجرة، في حين تحدث وزير الخارجية الأميركي إلى المؤتمر عن بعد، الرئيسان الوحيدان اللذان شاركا شخصيًا هما الرئيس الفنلندي ورئيس وزراء ألبانيا، أمّا الآخرون فأرسلوا مندوبين عنهم أقل شأنًا أو سفراء أو عبر الفيديو كونفرنس بما في ذلك الأمين العام للأمم المتحدة.
هدف المؤتمر الرئيسي، استغلال شعارات معاداة السامية والتذكير بالمحرقة في المواجهة لكبح الجهود الفلسطينية والعربية لتقويض شرعية الاحتلال الإسرائيلي من جهة والربط بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، واعتبار أنّ أي نقد أو ادانة موجهة لإسرائيل، بصفتها دولة احتلال إنما يدرج في سياق معاداة السامية، وهي التهمة الموجهة لكل من يدين الاجراءات الاستيطانية وإدارة اسرائيل الظهر للقوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة، لذلك فإن هذا المؤتمر، وبالمشاركة المحدودة التي لم تكن متوقعة، يعكس فشلاً ذريعًا في توصيل رسالته المعلنة، إذ تبيّن أنّ هناك تراجعًا ملحوظًا في تأثير التضليل الاسرائيلي حول جوهر الاحتلال كنظام الفصل العنصري.
تحدثنا عن فولك برنادوت، فماذا عن مدينة مالمو الذي عقد على أرضها هذا المؤتمر، حيث تشكل الجالية العربية قرابة 15% من سكانها/ وهذه النسبة السكانية ليست مجرّد أرقام بل ترجمة لأنشطة ثقافية وسياسية قامت بها الجالية العربية وعلى الأخص الفلسطينية، وحيث باتت مدينة مالمو مركزا لأهم الأنشطة الثقافية والفنية العربية والفلسطينية في أوروبا، ويمكن اعتبارها عاصمة للثقافة العربية والفلسطينية في الخارج، وللتذكير فقط وليس على سبيل الحصر، فإن هذه المدينة تحتضن أهم مهرجانات السينما العربية في الخارج وهو مهرجان مالمو للسينما العربية، وللتذكير أيضًا فإن فيلم «عائد إلى حيفا» من إخراج قاسم حول أحد أهم مؤسسي السينما الفلسطينية كان قد عرض في حفل اختتام هذا المهرجان قبل ثلاثة أعوام، وهناك أيضًا المركز العربي السويدي الذي يهتم بالتبادل الحضاري بين الثقافتين العربية والسويدية.
وفي هذه المدينة أول منصة أوروبية متخصصة بمعارض الكتاب العربي، حيث انطلقت قبل ثلاثة أشهر أوّل معارضها بعد أن كان متوقفًا بسبب كورونا.
إنّ عقد مؤتمر مالمو بهدف شرعنة الاحتلال العنصري يعتبر تحديًا لهذه المدينة التي وقفت مع الشعب الفلسطيني أثناء العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة قبل بضعة أشهر، ومحاولة يائسة لاختراق الجهد العربي الفلسطيني في مواجهة مع الاحتلال، انطلاقًا من هذه المدينة التي لا تزال وستظل إحدى حاضنات النشاط في المواجهة مع العنصرية المتمثلة بالاحتلال الإسرائيلي.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *